يرصد هذا التقرير نمطًا متكررًا من تشغيل طائرات من طراز B-727 في الأجواء الغربية للسودان منذ النصف الثاني من عام 2025، مع تسجيل تحركات جوية منتظمة قادمة من دول إقليمية مجاورة وعلى رأسها تشاد، وارتباط هذه الرحلات بشبكة دعم لوجستي تخدم مليشيا الدعم السريع.
ويُظهر التحليل أن هذه الطائرات تعمل ضمن منظومة إمداد إقليمية متعددة الأطراف تقودها الإمارات العربية المتحدة بصفتها المحرك الرئيسي للدعم فيما تلعب دول أخرى أدوارًا تكاملية متفاوتة تشمل التسهيلات الجوية مثل تشاد، والاستضافة السياسية مثل كينيا، وتوفير نقاط العبور مثل ليبيا.
كما يكشف التقرير عن استخدام طائرات B-727 في نقل أفراد وعتاد خفيف وإمدادات لوجستية، إضافة إلى توظيفها في تحركات سياسية مرتبطة بعمليات إنشاء هياكل حكم موازية داخل الأراضي السودانية، ما يعكس تداخلًا مباشرًا بين البعدين العسكري والسياسي في هذا النشاط الجوي.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا النمط من التشغيل الجوي يمثل تحديًا مباشرًا للسيادة السودانية ويساهم في إطالة أمد الحرب، ويعيد تشكيل توازنات إقليمية حساسة مع تصاعد التوترات بين السودان وعدد من دول الجوار المتورطة بدرجات متفاوتة في هذه الشبكة.
منهجية الرصد والتحقق:
اعتمد هذا التقرير على تحليل بيانات من مصادر مفتوحة شملت مواد مرئية وصور أقمار صناعية وتتبع أنماط الحركة الجوية، إضافة إلى مطابقة زمنية وبصرية للمشاهدات الميدانية.
مسار الحركة الجوية الرئيسي:
يُظهر تحليل نمط الرحلات أن تشغيل طائرات B-727 يتم عبر مسار تشاد – غرب السودان، من مطار إنجمينا في تشاد ويمر فوق مدينة كاس في إقليم دارفور وينتهي في مطار نيالا. مقطع فيديو تم تصويره في مدينة كاس ويظهر طائرة تُحلق في ارتفاع عالي، وقد توقفت القوات المسلحة قبل أشهر طويلة عن ارسال طائرات مأهولة إلى اقليم دارفور وتكتفي بالمسيرات، ما يؤكد أن الطائرة لا تتبع للقوات المسلحة السودانية.
يمثل هذا المسار أحد أكثر خطوط الحركة تكرارًا حيث تُرصد رحلات قادمة من الأراضي التشادية باتجاه مناطق دارفور، وعلى رأسها مدينة نيالا.
ويعكس انتظام هذا الخط دوره كممر رئيسي لنقل القادة في المليشيا والدعم اللوجستي المتوسط.

تدمير طائرة في مطار نيالا:
في حادثة سابقة نجحت القوات المسلحة السودانية في تدمير إحدى الطائرات ويُعتقد أنها من طراز B-727 أثناء وجودها بالقرب من المدرج في مطار نيالا، وهو ما يمثل تطورًا ميدانيًا لافتًا ضمن مسار المواجهة الجوية المرتبط بخطوط إمداد مليشيا الدعم السريع.
وكان لهذه العملية أثر مباشر في تصعيد لاحق استهدف مدينة بورتسودان، في سياق ردود الفعل الإماراتية المرتبطة بخسارة الطائرة وما كانت تحمله من قيمة تشغيلية.
وعند البحث عن معلومات متعلقة بالحادثة تم رصد مواد بصرية تُظهر طائرة B-727 داخل مطار نيالا، حيث التُقط مقطع فيديو لها بواسطة مرتزق كولومبي كان متواجدًا في المعسكر الموجود داخل المطار.
وتظهر في الصورة أدناه أجزاء من حطام الطائرة الذي يبدو كذيل B-727.

إفادات طيار حربي لـ VISTA:
ومن أجل فهم كيفية تعامل القوات المسلحة السودانية مع هذا النشاط الجوي غير الاعتيادي، وكذلك أسباب اختراق هذا العدد من الطائرات للأجواء، تم التواصل مع أحد الطيارين الحربيين الذي قدم إفادة حول هذه الظاهرة:
أكد مصدر الطيران العسكري أن الجهود تتركز على الحد من تأثير هذه الأنشطة الجوية عبر الرصد المستمر والتعامل مع الأهداف المرتبطة بها عند توفر الفرصة المناسبة، مع التأكيد على استمرار المتابعة الجوية والاستخباراتية بصورة دائمة لرصد الرحلات التي تصل إقليم دارفور.
طبيعة الحمولة والقدرات اللوجستية للطائرة:
تُعد طائرة B-727 من الطائرات المتوسطة الحجم القادرة على نقل حمولة تصل إلى 15-20 طنًا، ما يجعلها مناسبة لنقل العناصر الميدانية للمليشيا والمرتزقة الكولومبيين والإمدادات الخفيفة والمعدات العسكرية.
وتسمح خصائصها التشغيلية بالعمل في مطارات ذات تجهيزات محدودة ما يجعلها خيارًا عمليًا للمسار الإقليمي التشادي السوداني الذي تم رصده.
كما أن حمولة B-727 تمثل نصف قدرة طائرات الشحن الثقيلة IL-76 التي تستخدمها الإمارات في العادة لنقل معدات أكبر، ما يوضح أن اختيار B-727 كان مدروسًا لتلبية احتياجات نقل متوسط الحجم بسرعة ومرونة ضمن شبكة الدعم اللوجستي التشادية-الكينية-الليبية.
وقد أشار مراقب الرحلات الجوية المشبوهة (Bodyben) إلى أن استخدام طائرات قديمة مثل B-727 في مناطق نائية كدارفور وشرق تشاد يُعد خيارًا عمليًا لتقليل فرص الرصد العام على بعض مسارات التتبع المتاحة للعامة. ويُرجح أن هذا التكرار في المسارات الجوية يتيح للطائرات العمل بمرونة نسبية ونقل عناصر أو شحنات دون لفت الانتباه مع الحفاظ على استمرارية شبكة الإمداد الإقليمية.

دور الإمارات في منظومة الدعم اللوجستي:
تعتبر الإمارات، وبشكل دقيق إمارة أبوظبي المحرك المركزي لشبكة الدعم اللوجستي المرتبطة بمليشيا الدعم السريع.
وقد تجلى دورها في توجيه الموارد والإمدادات والتمويل وتنسيق العمليات عبر الحدود، بما يضمن استمرار الحركة الجوية ونقل العناصر والمعدات إلى مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع داخل السودان.
إن تورط الدول الإقليمية الأخرى ينعكس على التوازن السياسي والأمني في المنطقة وعلى علاقات تلك الدول مع الحكومة السودانية في الحاضر والمستقبل.
دور تشاد في منظومة الدعم:
تلعب تشاد دورًا ثانويًا ضمن شبكة الدعم اللوجستي لمليشيا الدعم السريع حيث تُسهل مرور الطائرات ووقود المركبات عبر أراضيها، وتتيح نقاط توقف في مطار إنجمينا حيث رُصدت طائرات B-727 في صور الأقمار الصناعية من مطار العاصمة التشادية.

وتساهم تشاد بمشاركتها الإستراتيجية إذ تضمن استمرارية تشغيل المسار الجوي إنجمينا-كاس-نيالا، ويعكس هذا الدور أحد أسباب تأثر العلاقة بين الحكومة السودانية والتشادية.
دور ليبيا في شبكة الإمداد:
تشكل ليبيا جزءًا مهمًا من شبكة الدعم الإقليمي لمليشيا الدعم السريع حيث يُستخدم مطار الكُفرة كنقطة عبور للإمدادات والعناصر، ويقع تحت سيطرة قوات خليفة حفتر الذي يتلقى دعمًا وتمويلًا من الإمارات.
ويتيح هذا الممر نقل شحنات ثقيلة وعناصر مرتزقة إلى السودان بما يعزز القدرة العملياتية للمليشيا.
وأظهرت صور أقمار صناعية حديثة وجود طائرة B-727 في مطار الكفرة تطابقت ملامحها مع أخرى كانت رابضة في مطار انجمينا في تشاد.

وتكشف متابعة الحركة عبر ليبيا عن دور هذه الدولة كمسهل تكميلي يسمح بزيادة حجم الإمدادات والقدرة على توزيعها، ما يجعلها أحد الأعمدة الأساسية في بنية الدعم الاستراتيجي التي تصل إلى المليشيات اغرب السودان.
دور كينيا في الشبكة السياسية:
لعبت كينيا دورًا محوريًا في الجانب السياسي لشبكة دعم مليشيا الدعم السريع، حيث استضافت القيادات العليا للمليشيا والكيانات السياسية المرتبطة بها لعامين بما في ذلك دعم تلك الأطراف لتشكيل هيكل حكومي موازٍ للحكومة السودانية الشرعية.
وكانت العاصمة الكينية نيروبي نقطة انطلاق لتحركات قيادات المليشيا إلى تشاد ومن ثم إلى غرب السودان عبر رحلات جوية بطائرة من طراز B-727 في 29-30 أغسطس 2025، ما سهل نقل القادة السياسيين والعسكريين وتأدية مهام تشكيل المجلس الرئاسي للحكومة الموازية داخل نيالا.
وقد رصدنا قيام أحد أعضاء المجموعة 462 في مليشيا الدعم السريع المدعو “راضي ود التوم” من مدينة نيالا بتصوير مقاطع فيديو للطائرة التي هبطت في مطار المدينة، بالتزامن مع ظهور قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو وقائد الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو، في مدينة نيالا.
ويُظهر هذا الدور أن كينيا كانت حاضنة سياسية مكنت المليشيا من تنظيم هيكل إداري موازٍ، ما أثر على السيادة السودانية وأمن السودان القومي.
ملاحظات ميدانية حديثة من نيالا:
رصد عدد من المقاتلين في مدينة نيالا مقاطع فيديو توثق هبوط وإقلاع طائرة B-727 في مطار المدينة بشكل متكرر خلال الشهر الماضي.
وقد أثارت هذه المشاهد اهتمام VISTA نظرًا لغياب أي ظهور لقيادات المليشيا في نيالا بالتزامن مع هذه الرحلات.
واستنادًا إلى تحليلنا الأولي يُرجح أن هذه الطائرات قد تكون نقلت مرتزقة كولومبيين من السودان عقب إكمال مهامهم في مدينة الفاشر، أو أنها نقلت عناصر جديدة لتعزيز قدرات المليشيا:

الخاتمة والاستنتاج الاستراتيجي:
يكشف رصد وتحليل رحلات طائرات B-727 عن وجود شبكة دعم لوجستي وسياسي إقليمية معقدة تعمل ضد السودان وعبر دول الجوار بقيادة الإمارات وبمشاركة تكاملية من تشاد وليبيا وكينيا.
وقد أظهرت البيانات استمرار الرحلات الجوية وتعدد المسارات وتكرار العمليات، ما يعكس قدرة المليشيا على تعزيز نفوذها اللوجستي والسياسي داخل غرب السودان بشكل مستمر.
ويؤكد التقرير أن استخدام هذا الطراز من الطائرات لم يكن عشوائيًا بل جاء لتلبية احتياجات نقل مرتزقة وعناصر مسلحة وقيادات عليا، إضافة إلى شحنات خفيفة من العتاد مع ضمان مرونة الحركة عبر مطارات وممرات إقليمية متعددة.
كما يوضح الدور السياسي لدول الجوار في استضافة القيادات وتسهيل تكوين الهياكل الموازية، ما أثر على السيادة السودانية وأنشأ تحديات مستمرة على صعيد الأمن والاستقرار.
وبناءً على المعطيات الحالية يمثل استمرار هذا النمط من النشاط الجوي عامل ضغط استراتيجي مباشر على الحكومة السودانية ويؤكد الحاجة إلى متابعة مستمرة وتحليل تكاملي للتهديدات اللوجستية والسياسية.
VISTA MAPS

