كيف أعادت الحركة الشعبية ترتيب أوراقها في جبال النوبة.
◉ تكوين الحركة الشعبية: منذ انفصال جنوب السودان وتأسيس دولته المستقلة بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM)، برزت في ولاية جنوب كردفان قوة جديدة تحمل اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال (SPLM-N)، وهي حركة سياسية مسلحة تتكون بشكل أساسي من أبناء جبال النوبة المنتشرين في الولاية.
وتتميز المنطقة بطبيعتها الحدودية التي تجمع بين ملامح المجتمعين السوداني والجنوبي مما انعكس على تكوين الحركة وأفكارها.
وقد تبنى أعضاؤها جملة من المطالب من أبرزها إقامة دولة علمانية وتطبيق نظام لا مركزي للحكم وتحقيق مبدأ المواطنة المتساوية دون أي تمييز.

◉ اشتعال التمرد في عام 2011: بعد انفصال جنوب السودان وتكوينه دولة مستقلة، طالبت الحكومة السودانية الحركة الشعبية – قطاع الشمال بتسليم سلاحها غير الشرعي أو الانتقال إلى دولة الجنوب، غير أن الحركة رفضت هذا الطلب مبررة موقفها بأن أعضاءها ينتمون إلى ولاية جنوب كردفان ولا علاقة لهم بدولة جنوب السودان.
وفي تلك الفترة جاءت نتائج انتخابات والي الولاية مخيبة لتطلعات الحركة، إذ خسر مرشحها أمام أحد قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم فاعتبرت الحركة النتيجة مزورة، وردًا على ذلك شرعت في نشاط عسكري استباقي أثناء فترة الانفصال خشية أن تفقد دعمها السياسي والعسكري الذي كانت تتلقاه من الجنوب.
وفي يونيو 2011 أعلنت الحركة تمردها رسميًا وبدأت القتال ضد القوات المسلحة السودانية متخذةً مدينة كاودا ومحيطها مقرًا رئيسيًا لها، هناك رفعت علمها الخاص وسنت قوانينها المحلية معلنة ضمنيًا أنها ستصل إلى الحكم إما عبر الانتخابات أو عبر القوة.
كما توسعت الحركة في القتال لتعزيز نفوذها مستفيدة من الدعم القادم من دولة جنوب السودان عبر منطقة ومطار ييدا ومن تحالفات مع حركات مسلحة أخرى داخل السودان، وقد أدى ذلك إلى تضاعف قوتها العسكرية حتى بلغ عدد مقاتليها عدة آلاف مما جعلها تمثل تحديًا حقيقيًا للجيش السوداني.
واستمر الصراع بين الطرفين منذ ذلك الحين متطورًا في مراحل متعددة خاصة قبل عام 2016 حينما بلغت الحركة ذروة قوتها ووسعت نطاق المعارك إلى ولايات كردفان الأخرى، كما ساعدتها طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة في جنوب كردفان على الصمود، الأمر الذي جعل الحرب أكثر تعقيدًا وشراسة لكلا الطرفين.

◉ مرحلة ما بعد اتفاق جوبا: في السنوات التي تلت ثورة ديسمبر وسقوط نظام عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني تراجعت حدة الصراع المسلح في السودان، وبرزت اتفاقية سلام جوبا بوصفها محطة محورية نحو إنهاء النزاعات بين القوات المسلحة السودانية والحركات المسلحة المتمردة.
وقد نصت الاتفاقية على دمج قوات الحركات المسلحة داخل القوات المسلحة مقابل التزام الأطراف الموقعة بتنفيذ بنود محددة تتعلق بالترتيبات الأمنية والسياسية، ونتيجة لذلك انفصلت الحركات المسلحة المتحالفة سابقًا مع الحركة الشعبية – قطاع الشمال مما ترك الحركة معزولة وضعيفة نسبيًا.
في المقابل شكلت أقوى الحركات التي وقعت على الاتفاقية قوة جديدة موحدة تحت اسم القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، وهي اليوم تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية تمهيدًا لدمجها الكامل ضمن الجيش النظامي.
هذا الانفصال بين الحركات المسلحة أضعف الحركة الشعبية – قطاع الشمال بشكل ملحوظ، بينما أسهم في تعزيز موقف القوات المسلحة ميدانيًا وسياسيًا مما غير موازين القوى التي كانت سائدة في ولاية جنوب كردفان.

◉ التحالف الجديد في عام 2025: بعد سنوات من الضعف والتراجع الذي أصاب الحركة الشعبية – قطاع الشمال عقب انفصال حلفائها السابقين وتراجع الدعم الخارجي، وتلقيها هزائم من اللواء 54 مشاة الدلنج والفرقة 14 مشاة كادوقلي سعت الحركة إلى استعادة نفوذها عبر التحالف مع مليشيا الدعم السريع مدفوعةً برغبتها في الحصول على دعم لوجستي وعسكري يعيدها للمشهد خصوصًا في ظل الانفتاح الإماراتي تجاه المليشيا.
وفي مارس وأبريل 2025 نشأ تحالف غير معلن بين الطرفين، تم بموجبه إدخال عناصر من مليشيا الدعم السريع إلى مناطق غابية مهجورة تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية في جنوب كردفان، أعقب ذلك في مطلع أبريل هجمات منسقة شنتها القوتان ضد معسكرات القوات المسلحة السودانية وهو ما سيتم تفصيله في الجزء القتالي من تقرير ولاية جنوب كردفان.
وقد أثار هذا الاتفاق انقسامات داخل الحركة الشعبية أدت إلى استقالة عدد من أعضائها الرافضين للتحالف مع المليشيا التي كانت تحاربهم في السنين الماضية، غير أن الحركة تهدف بهذه الخطوة تفادي التفكك عبر البحث عن داعمين إقليميين جدد يعوضون فقدان الدعم التقليدي من دولة جنوب السودان والحركات المسلحة.
فقد تقاطعت مصالح الحركة الشعبية مع الإمارات في هذا السياق، ما مهد لإعلان تشكيل نظام سلطة مشتركة داخل مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع يتولى فيها قائد المليشيا القيادة بينما يشغل قائد الحركة الشعبية منصب النائب، في ترتيب يعكس طبيعة التحالف المصلحي بين الطرفين.
وخلال الأسابيع الأخيرة قامت الحركة الشعبية بتجهيز قوة عسكرية وودعتها في منطقة كاودا ونعتقد أنها تحركت نحو الفاشر وبعض مناطق كردفان، نظرًا لأن الحركة الشعبية لم تساهم في التحالف سوى بإدخال مليشيا الدعم السريع إلى مناطق غابية مهجورة تحت سيطرتها، ويبدو أن المتطلبات منها أصبحت أكبر من ذلك فقد قامت لاحقًا بتجهيز هذه القوة العسكرية.
وتم تداول أنباء لم نستطع التأكد من صحتها تفيد بأن هذه القوة تعرضت لضربات من القوات المسلحة السودانية إضافة إلى احتكاكات عنصرية مع مليشيا الدعم السريع، وبحسب تلك الأنباء فإن هذه التطورات دفعت القوة إلى الانسحاب والعودة إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية في جبال النوبة.

هذا التقرير هو الجزء الأول عن ولاية جنوب كردفان ضمن سلسلة تقارير كردفان التي تهدف إلى توضيح التطورات في الإقليم.
وسيتناول الجزء الثاني بإذن الله خلال الأسبوع الجاري طبيعة القتال في الولاية الجنوبية من الإقليم متضمنًا تفاصيل العمليات الميدانية والتحالفات العسكرية.

